نقص فيتامين د من أكثر ما أراه في عيادتي، ولا علاقة له بغياب الشمس. في دراسة وطنية أردنية نُشرت في مجلة SAGE Open Medicine عام 2019 وشملت 4,056 بالغاً، كان مستوى فيتامين د في الدم أقل من 30 نانوغراماً/مل لدى 89.7% منهم — أي أن المستوى المنخفض هو القاعدة لا الاستثناء. ويعرّف مكتب المكمّلات الغذائية في المعاهد الوطنية للصحة الأمريكية النقص بأنه أقل من 30 نانومول/لتر (12 نانوغراماً/مل)، والكفاية بأنها 50 نانومول/لتر (20 نانوغراماً/مل) فأكثر. الأعراض غالباً غير محددة: تعب مستمر، وآلام في العضلات وأسفل الظهر، وضعف في القوة العضلية. والغذاء وحده نادراً ما يصحّح نقصاً واضحاً لأن مصادره الطبيعية قليلة جداً، لكنه يبقى خط الدفاع الأول للحفاظ على المستوى بعد تصحيحه، إلى جانب تعرّض معقول للشمس وقرار مدروس بشأن المكمّل. وأعلى المصادر الغذائية محتوىً هي الأسماك الدهنية والفطر المعرّض للأشعة فوق البنفسجية، بينما تبلغ الكمية اليومية الموصى بها للبالغ 600 وحدة دولية.
في هذا المقال أشرح ما يعنيه الرقم في ورقة التحليل، ولماذا ينتشر النقص في منطقتنا رغم الشمس، وما الأطعمة التي تستحق فعلاً مكاناً في طبقك — بالأرقام لا بالانطباعات.
ما هو فيتامين د ومتى يُعتبر المستوى منخفضاً؟
فيتامين د فيتامين يذوب في الدهون، وهو أقرب في سلوكه إلى الهرمون منه إلى الفيتامينات الأخرى. وظيفته الأساسية تمكين الجسم من امتصاص الكالسيوم والفوسفور من الأمعاء، ولهذا يرتبط نقصه مباشرة بصحة العظام والعضلات.
يُقاس المخزون بتحليل «25-هيدروكسي فيتامين د» في الدم. وبحسب صحيفة الوقائع المهنية لمكتب المكمّلات الغذائية في المعاهد الوطنية للصحة الأمريكية، تُصنّف النتائج كما يلي:
| الحالة | نانومول/لتر | نانوغرام/مل |
|---|---|---|
| نقص | أقل من 30 | أقل من 12 |
| غير كافٍ | 30 إلى أقل من 50 | 12 إلى أقل من 20 |
| كافٍ | 50 فأكثر | 20 فأكثر |
| احتمال آثار ضارة | أكثر من 125 | أكثر من 50 |
انتبه إلى وحدة القياس في ورقتك، فالمختبرات في الأردن تستخدم النانوغرام/مل غالباً بينما تستخدم مختبرات أخرى النانومول/لتر، والفرق بينهما بمعامل 2.5 تقريباً. ولاحظ أيضاً أن كثيراً من المختبرات تضع حدها الأدنى الطبيعي عند 30 نانوغراماً/مل، وهو أعلى من عتبة الكفاية التي تعتمدها المعاهد الوطنية للصحة — وهذا سبب شائع لقلق غير مبرر عند قراءة النتيجة.
لماذا ينتشر نقص فيتامين د في بلد مشمس؟
هذا السؤال يُطرح عليّ كل أسبوع تقريباً. والجواب أن وفرة الشمس في السماء لا تعني وصولها إلى الجلد.
الدراسة الأردنية نفسها التي ذكرتها في المقدمة وجدت أن النسبة كانت 92.4% بين الرجال و88.6% بين النساء، وحدّدت عوامل مرتبطة بالنقص بشكل مستقل: الجنس (احتمال أعلى بمقدار 2.11 مرة لدى النساء)، والعمر بين 40 و59 سنة (2.56 مرة)، والسمنة (1.52 مرة). والسمنة سبب منطقي: فيتامين د يذوب في الدهون، فيُحتجز جزء منه في النسيج الدهني ويقل المتاح منه في الدم.
والمشكلة إقليمية لا محلية. مراجعة منهجية وتحليل بعدي نُشرا في Discover Public Health عام 2025، وجمعا 21 دراسة و25,289 مشاركاً من تسع دول عربية بينها الأردن والسعودية، وجدا أن 51.4% من المشمولين كانوا في خانة النقص بحسب معايير معهد الطب، وأن نحو 75.5% كان مستواهم منخفضاً بشكل أو بآخر.
الأسباب العملية التي أسمعها من مراجعيّ متكررة: العمل داخل المباني طوال النهار، وتجنّب ساعات الذروة بين العاشرة صباحاً والثالثة عصراً وهي بالضبط الساعات التي يتكوّن فيها الفيتامين، والملابس الساترة، وواقي الشمس. يُضاف إلى ذلك أن الأطعمة المدعّمة بفيتامين د أقل شيوعاً في السوق المحلي منها في أوروبا وأمريكا الشمالية.
ما أعراض نقص فيتامين د التي أراها فعلاً؟
الأعراض غير محددة، وهذه أهم نقطة في المقال كله. أكثر ما يصلني هو:
- تعب مستمر لا يفسّره النوم
- آلام في العضلات وأسفل الظهر
- ضعف في القوة العضلية، وصعوبة في الوقوف من وضعية الجلوس عند كبار السن
- تكرار الالتهابات التنفسية
المشكلة أن كل واحد من هذه الأعراض له عشرات الأسباب الأخرى — نقص الحديد، وقلة النوم، والغدة الدرقية، والضغط النفسي. ولهذا لا أشخّص نقص فيتامين د بالأعراض، ولا أنصح أحداً أن يفعل. النقص الشديد وطويل الأمد له مظاهر أوضح: ليونة العظام عند البالغين، والكساح عند الأطفال.
إن كان التعب هو شكواك الأساسية، فالتقييم الغذائي الكامل يستحق الأولوية على تخمين فيتامين واحد. هذا ما نفعله في استشارة فردية.
ما الأطعمة الأعلى محتوىً بفيتامين د؟
القائمة قصيرة بصراحة، وهذا هو السبب الحقيقي في صعوبة تغطية الحاجة من الطعام وحده. الأرقام التالية من قاعدة بيانات USDA FoodData Central لكل 100 غرام:
| الطعام | ميكروغرام / 100 غ | وحدة دولية / 100 غ |
|---|---|---|
| فطر بورتابيلا معرّض للأشعة فوق البنفسجية، نيء | 28.4 | 1,136 |
| سلمون أحمر (سوكاي) مطبوخ | 16.7 | 668 |
| تونا خفيفة معلّبة بالزيت، مصفّاة | 6.7 | 268 |
| سردين أطلسي معلّب بالزيت مع العظم | 4.8 | 192 |
وتضيف المعاهد الوطنية للصحة الأمريكية صنفين مهمين بحسب الحصة لا بالمئة غرام: كوب الحليب المدعّم يعطي نحو 120 وحدة دولية، والبيضة الكبيرة الواحدة نحو 44 وحدة (الفيتامين كله في الصفار).
ثلاث ملاحظات عملية من العيادة:
أولاً، الفطر المعرّض للأشعة فوق البنفسجية هو الخيار النباتي الوحيد المعتبر في القائمة، لكن ليس كل فطر في السوق معرّضاً للأشعة — الفطر المزروع في الظلام محتواه ضئيل، والعبوة تذكر ذلك عادةً عند وجوده.
ثانياً، فيتامين د يذوب في الدهون، فتناوله مع وجبة تحتوي دهناً يحسّن امتصاصه. سردينة مع الخبز أفضل من كبسولة على معدة فارغة.
ثالثاً، السردين المعلّب بعظمه من أفضل ما أنصح به محلياً: متوفر، غير مكلف، ويعطي كالسيوم إضافياً مع الفيتامين. وإن كنت تحسب حصصك اليومية فبإمكانك تقدير احتياجك من الطاقة عبر حاسبة السعرات ثم بناء الوجبات حوله.
كم أحتاج يومياً وما الحد الأعلى الآمن؟
الكميات الغذائية الموصى بها من المعاهد الوطنية للصحة الأمريكية:
- الرضّع حتى 12 شهراً: 400 وحدة دولية (10 ميكروغرام)
- من 1 إلى 70 سنة، بما يشمل الحوامل والمرضعات: 600 وحدة دولية (15 ميكروغرام)
- فوق 70 سنة: 800 وحدة دولية (20 ميكروغرام)
والحد الأعلى الآمن للتناول اليومي للبالغين ومن هم فوق 14 سنة هو 4,000 وحدة دولية (100 ميكروغرام). تجاوز هذا الحد بمبادرة شخصية ليس فكرة جيدة: الفيتامين يتراكم لأنه يذوب في الدهون، والجرعات العلاجية العالية تُوصف وتُراقَب طبياً بتحليل متابعة.
هل يجب أن أفحص فيتامين د ومتى تلزم المكمّلات؟
هنا يفاجأ كثيرون بالجواب. إرشادات الممارسة السريرية لجمعية الغدد الصماء الأمريكية الصادرة عام 2024 توصي بعدم إجراء الفحص الروتيني لمستوى 25-هيدروكسي فيتامين د لدى البالغين الأصحاء، لأن الفائدة المرتبطة بنتائج صحية محددة لم تثبت في التجارب السريرية. وتوصي الإرشادات نفسها بعدم تناول مكمّل يتجاوز الكمية الموصى بها لغير الحوامل من البالغين بين 19 و74 سنة ممن ليس لديهم دواعٍ محددة.
في المقابل، تقترح الإرشادات مكمّلاً على أساس تجريبي لفئات بعينها:
- الأطفال والمراهقون من 1 إلى 18 سنة
- البالغون فوق 75 سنة
- الحوامل
- المصابون بمرحلة ما قبل السكري عالية الخطورة، إلى جانب تعديل نمط الحياة
هذه إرشادات وُضعت لسياق أمريكي تُدعَّم فيه الأطعمة بفيتامين د على نطاق واسع، وانتشار النقص فيه أقل بكثير مما تُظهره الأرقام الأردنية أعلاه. لذلك أتعامل معها كإطار للتفكير لا كقاعدة تُطبَّق حرفياً هنا، ويبقى قرار الفحص ووصف الجرعة قراراً طبياً يخص طبيبك، لا قراراً أتخذه أنا ولا تتخذه أنت بناءً على منشور.
ما أفعله أنا كأخصائية تغذية هو الجانب الغذائي: بناء نمط أكل يحافظ على المستوى بعد تصحيحه، ومعالجة عوامل الخطر القابلة للتعديل — وأهمها الوزن. إن كنت تعمل على وزنك فالمقالات ذات الصلة تشرح الجانبين: مقاومة الانسولين وسمنة الأطفال.
من الأكثر عرضة للنقص؟
بناءً على ما سبق، الفئات التي أنتبه لها أكثر:
- من يقضون نهارهم داخل المباني
- أصحاب البشرة الداكنة، لأن الميلانين يقلل تكوّن الفيتامين في الجلد
- كبار السن، لأن قدرة الجلد على التصنيع تتراجع مع العمر
- المصابون بالسمنة
- من خضعوا لجراحات السمنة أو يعانون من أمراض تقلل امتصاص الدهون
- الرضّع المعتمدون على الرضاعة الطبيعية حصراً، لأن حليب الأم فقير بفيتامين د
- الحوامل والمرضعات — والتفاصيل الغذائية للحمل شرحتها في تغذية المرأة الحامل
ما التحذيرات التي يجب أن أعرفها قبل البدء بمكمّل؟
إن كنتِ حاملاً أو مرضعة، أو كنت تتناول أدوية بانتظام — خاصة أدوية الصرع أو الكورتيزون أو أدوية خفض الكوليسترول أو مدرات البول من نوع الثيازيد — فلا تبدأ مكمّل فيتامين د دون مراجعة طبيبك، فبعض هذه الأدوية يتفاعل معه في الاتجاهين. الأمر نفسه ينطبق على المصابين بأمراض الكلى أو الكبد أو بحصى الكلى أو باضطرابات الكالسيوم، وعلى الأطفال الذين تُحدَّد جرعاتهم بحسب العمر والوزن.
ولا تأخذ جرعة وُصفت لشخص آخر. الجرعات العالية التي تُصرف بحقنة أو كبسولة أسبوعية تُوصف لحالة بعينها ولمدة محددة ومع تحليل متابعة، وما ناسب قريبك قد لا يناسبك.
هذا المقال لأغراض تثقيفية ولا يُغني عن استشارة مختص.


